الرئيسية / كلمة منفعة / مقالات إيمانية / قراءة تفسيرية في أبيات مديح والدة الإله _3_

قراءة تفسيرية في أبيات مديح والدة الإله _3_

افرحي يا حمايةً من الأعداء غير المنظورين، افرحي ، يا مفتاح أبواب الفردوس: تعرّضت حواء في الفردوس لهجوم العدو غير المنظور بهيئة حيّةٍ وكانت النتيجة أنها هزمت أمامه. لم تفكّر كيف يمكن لحيّة أن تتكلم، ولم تحتج عندما سمعت منها أقوالاً تطعن بالله خالقها، كان ينبغي أن تقول: ” اذهبي عني أيتها الحية الشريرة! ” كما قال يسوع: ” اذهب عني يا شيطان” ولم تكتف فقط بالانصياع لأوامر الشيطان بل جذبت معها آدم. السقوط ليس بسبب العصيان فقط والأكل من الشجرة التي أوصاهما الله ألا يأكلا منها، لكنهما أرادا أن يصيرا آلهة، أي أن يأخذا مكان الله. هذا الميل لتأليه الذات أغلق باب الفردوس في وجه الإنسان، كما أنه شكل الجذور الأولى لعبادة الأوثان وتعدد الآلهة. سيدتنا الكلية القداسة، حواء الجديدة، التي عاشت حياة طاهرة ومقدسة لا بد أنها تعرضت لتجارب عديدة، خاصّةً وأن طهارتها أثارت الشيطان ودفعته لمحاربتها. لكن استجابة السيدة العذراء للدعوة الإلهية كانت خير انتصار لها على هجمات الشرير وبالتالي أصبحت لكل المؤمنين سوراً حصيناً أمام هجمات الأعداء، السيدة العذراء سترٌ وحماية العالم تحرس وتحمي المسيحيين. ويمكن أن نصنف أعداء الإيمان في مجموعتين: الأولى تحاول ضرب العقيدة وتحرّف الإيمان الأرثوذكسي، يمثلها مختلف الهراطقة الذين من الصعب تمييز ضلالتهم وحيلهم في بادئ الأمر، لأنها تختفي وراء أقنعة مختلفة، لكن غايتهم واضحة هي إبعاد المسيحيين عن الكنيسة. أما المجموعة الثانية فتحاول تشويه الأخلاق وحياة الإيمان المسيحي وتمثّلها التجارب المتنوعة والأهواء والرذائل التي تعشش في دواخلنا. نستطيع مواجهة الشيطان والتغلب على حيله وألاعيبه من خلال التأهب واليقظة والتقوية المستمرة التي نستمدها من الرب نفسه وعبر أسرار كنيسته المقدسة وكذلك من العذراء الكلية الطهارة بوصفها حمايةً وطيدة من أعداء العقيدة ومفسدي الأخلاق وقلعة أمينة وسوراً لا يُحارب. ونحن في ساعة التجربة نستطيع بتواضع وحرارة إيمان أن نطلب معونتها في مواجهة التجارب المتنوعة التي ترهقنا وتدفعنا للاضطراب: ” في ساعة اشتداد صدمات التجارب، امنحينا المعونة يا كلية القداسة حتى نبقى طاهرين أنقياء” وكما يقول الشاعر: “أيتها الكلية القداسة، إنك تحملين المسيح ابنك المحبوب في إحدى يديك، اعضدينا نحن أيضاً بيدك الأخرى وامنحينا بركة صلواتك” ونحن نلتجئ إلى كنف العذراء خصوصاً عندما يتعرض إيماننا إلى هجمات الروح الدنيوية الطاغية على أبناء هذا الدهر.

إن لم ندخل الفردوس ونحن على الأرض فالأفضل ألا ننتظر العثور عليه في السماء. وهذا الفردوس هو الكنيسة المجاهدة الفردوس الأرضي والتي فُتحَت بواسطة الفتاة الطاهرة العذراء المصطفاة من الله. وحدث ذلك في يوم البشارة عندما أطاعت المشسءة الإلهية وفتحت أبواب الفردوس!

افرحي ياسنداً للإيمان وطيداً، افرحي، يا علامةً للنعمة باهرة: يرتبط شخص الكلية القداسة بقيمتين عظيمتين هما الإيمان والنعمة. تستعمل كلمة إيمان في العهد الجديد بالمعاني الأربعا التالية: الإيمان من طرف الله هو العهد الذي يمنح الأمانة والضمانة للبشر، أما الإيمان من طرف البشر فهو الإخلاص المستمر والثقة التي لا تتزعزع. هو تلك الشعلة السرية التي تحركك وتمنحك الجرأة على فعل غير المستطاع، ” حتى أنقل الجبال”، كما تطلق كلمة إيمان على تعليم المسيح أي عقيدة المسيحية وأخيرا، ترادف كلمة إيمان كلمتي المسيحية والكنيسة. إن الكنيسة تمدح فتاة الناصرة الكلية القداسة نظراً لطهارتها التي لا عيب فيها، وتعظمها بسبب تواضعها المطلق وتندهش لمعرفتها المميزة بالكتب المقدسة، وتنذهل الكنيسة أيضا أمام صلاة العذراء المستمرة وصبرها الذي لا يُحد، وحغظها لكافة الأمور التي تخص يسوع في قلبها.. يمكننا أن نجد في شخص والدة الإله الممتلئة معاني الإيمان الأربعة التي ذكرناها: كل ما أظهره الله للبشر، كل ما علمه يسوع المسيح، الكنيسة التي أسسها الإله المتجسد، هذه كلها ترتبط بتلك التي صارت والدة الإله، والحلقة الذهبية بين الأرض والسماء. إيمان الكلية القداسة مرتفعٌ جداً ليطال السماء ويقف العقل البشري عاجزاً إذا ما حاول إدراك بعضٍ من هذا الإيمان. عندما قام الملاك المرسَل من الله بكشف الإرادة الإلهية للعذراء، كان الله ينتظر جواب فتاته مريم. و بالفعل استجابت مريم بحرية ومسؤولية وطتعة فصارت شريكة في إتمام مخطط التدبير الإلهي. ويقول أحدهم: ” كم هي عظيمةٌ ومدهشةٌ قوّتك يا عذراء، لأنك بكلمة واحدة جعلت الله يغيّر الأرض والنجوم”

منذ تلك الساعة دفنت العذراء نفسها داخل الألوهة، فيما أقام الله في المسيح كيانها الممتلئ نعمةً في حياة الإيمان. هذا هو الإيمان يا إخوتي، موت وقيامة: أموت للعالم وأحيا لله. يموت منطقي وفكري الخاص، ويقوم في داخلي فكر الله الذي يفوق كل منطق بشري, تموت مشيئتي الخاصة وأعيش حياةً قياميةً جديدة بمقتضى مشيئة الله! هذا الإيمان في أقصى درجاته وأكملها أظهرته لنا السيدة الكليّة الطهارة والنقاء

المرجع كتاب يا ذات كل تسبيح

عن admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *